في نطاق أسواق المال وتنظيم الشركات التجارية، يبرز السهم الممتاز ذو الأرباح التراكمية بوصفه أداةً قانونية ذات طبيعة مركبة، تقع في منزلة وسطى بين السهم العادي وأداة الدَّين، فهو لا يفقد صفته السهمية، ولا يتحول حامله إلى دائن للشركة، وإنَّما يبقى مساهماً في رأس مالها، بَيْدَ أنَّه يتمتع بميزة مالية تفضيلية تميّزه عن حملة الأسهم العادية، تتمثل في أولوية استيفاء الأرباح المقررة له متى تحققت شروط توزيعها، وتتجلَّى خصوصية هذا السهم في أنَّ عدم توزيع الأرباح في سنة مالية معينة لا يؤدي إلى سقوط حق حامله في الأرباح الممتازة، وإنَّما تُرحَّل هذه الأرباح إلى السنوات اللاحقة، بحيث تتراكم لمصلحته وتُستوفى عند تحقق أرباح قابلة للتوزيع مستقبلاً، وقبل أن يشارك حملة الأسهم العادية في اقتسام الأرباح، وبذلك فإنَّ الحق الناشئ عن هذا السهم لا يُعدّ ديناً حالّاً في ذمة الشركة بمجرد عدم التوزيع، ولا يرتب التزاماً فورياً بالسداد خارج ضوابط رأس المال وقواعد التوزيع، وإنما يمثل حقاً مالياً مؤجلاً ومشروطاً بوجود أرباح قابلة للتوزيع وبصدور قرار مشروع بتوزيعها وفقاً للقانون والنظام الأساسي للشركة، وقد عرِف القانون المقارن هذا النوع من الأسهم بصور مختلفة؛ ففي القانون الأمريكي، ولا سيما في ولاية ديلاوير، يقوم تنظيم الأسهم الممتازة على أساس تعاقدي واضح، إذ تُستمد حقوقها وامتيازاتها من شهادة التأسيس أو النظام التأسيسي للشركة، ولا تُفترض هذه الامتيازات بمجرد الصفة الممتازة للسهم، وإنَّما يجب النص عليها صراحة، ومن ثمَّ فإنَّ الطبيعة التراكمية للأرباح لا تُعدّ أثراً تلقائياً للسهم الممتاز، وإنما تنشأ متى قررها سند الإصدار أو الوثيقة المنشئة لحقوق السهم، أما في القانون الفرنسي، فقد اتجه المشرّع إلى تنظيم أكثر وضوحاً من خلال نظام أسهم الأفضلية، التي تسمح بمنح بعض المساهمين حقوقاً مالية أو إدارية متميزة، ضمن حدود يضعها القانون وبما لا يخل بالبنية الجوهرية للشركة ولا بمقتضيات حماية رأس المال والمساواة النسبية بين المساهمين، وبذلك لم تعد الأفضلية مجرد ابتكار تعاقدي، وإنما صارت أداة قانونية منظمة تشريعياً، يمكن أن تتخذ صوراً متعددة، منها الأفضلية في الأرباح أو في التصفية أو في بعض الحقوق المرتبطة بالسهم، أما في القانون العراقي، فإنَّ المسألة تبدو أكثر تحفظاً؛ فالتشريع العراقي لا يتضمن- في صورته العامة- تنظيماً صريحاً ومتكاملاً للسهم الممتاز ذي الأرباح التراكمية على النحو المعروف في بعض التشريعات المقارنة، كما أنَّ قواعده التقليدية تقوم على اعتبارات مهمة، منها وحدة القيمة الاسمية للأسهم، وتقارب المركز القانوني للمساهمين، وارتباط حق التصويت بالسهم، والفصل بين السهم بوصفه حصة في رأس المال، والسند بوصفه أداة مديونية، وهذه القواعد تجعل من غير الممكن استيراد النموذج الأجنبي للسهم الممتاز ذي الأرباح التراكمية بصورة كاملة ومباشرة داخل النظام العراقي، ومع ذلك فلا يمنع هذا التحفظ من القول بإمكان تصور مدخل عراقي محدود لهذه الأداة، متى بقيت الأفضلية في نطاقها المالي البحت، أي في حدود أولوية تراكم الأرباح عند تحقق أرباح قابلة للتوزيع، من دون أن تتحول إلى التزام ثابت ومطلق على الشركة، ومن دون أن تمنح حامل السهم مركز الدائن، أو تهدر القواعد الآمرة المتصلة برأس المال، أو تمسّ جوهر المساهمة، فالمقبول، في هذا الإطار، ليس إنشاء دين مستتر في صورة سهم، وإنما تقرير ميزة ربحية مشروطة ومؤجلة تبقى مرتبطة بطبيعة السهم وبقواعد توزيع الأرباح، وعليه فإنَّ السهم الممتاز ذا الأرباح التراكمية يمكن فهمه قانونياً بوصفه سهماً يقرر لحامله أولوية مالية في الأرباح، لا حقاً دائناً في ذمة الشركة، وتكمن دقته في ضرورة المحافظة على التوازن بين أمرين هما الاعتراف بحاجات التمويل الحديثة وما تفرضه من مرونة في أدوات رأس المال، ومنع الالتفاف على القواعد الآمرة التي تفصل بين رأس المال والدَّين وتحمي المساهمين والدائنين وسلامة النظام القانوني للشركة.