اللغات التي تُوصف بأنها لغات حيَّة وقويَّة لا بد أن يكون لها مصادر موثوقة في تدوين أصواتها وألفاظها وتراكيبها، تُستنبط منها القواعد وتطمئن إليها نفوس الناطقين بها حيث تكون عندهم محلّ اتفاق وإجماع، وهذه اللغات هي التي يُكتب لها أن تكون وعاءً للعلوم والثقافات والحضارات على تعاقب الأجيال، وإنّ تدوين أي لغة من لغات العالم ولاسيَّما اللغات التي لها امتداد طويل في الحضارات الإنسانية به حاجة لرصد تلك اللغة من واقع استعمالها عند الناطقين بها بالدرجة الأولى، ومما ورثته من تراث لغوي احتفظت به الأجيال وحافظت على سماته اللغوية؛ وذلك ليتمكن الدراسون من دراستها دراسة وصفية، وهذا هو المنطق الصحيح الذي قامت عليه كل الدراسات اللغوية في مختلف لغات العالم التي حظيت باهتمام الدارسين من أبنائها الناطقين بها ومن الناطقين بغيرها.
ونحن في هذا البحث سنتطرق لقضية مهمة من القضايا التي ترتبط بأصل مهم من أصول اللغة ولا سيما عند مقارنتها بغيرها من اللغات الحية، وهذه القضية تتعلق بمصادر تدوين اللغة وتقعيدها وموثوقية هذه المصادر، يُعدّ استعمال هذه المصادر جوهر مشكلة هذه الدراسة، لأنه بالاعتماد على هذه المصادر تصير اللغة العربية أكثر استقرارًا مقارنةً باللغات الأخرى. ولهذه الدراسات فائدة كبيرة توقفنا على عوامل قوة لغة ما وسعتها أفقياً وعمودياً على امتداد الزمن. كما تفسر لنا هذه الدراسات جانباً مهماً من جوانب تأثير اللغات بعضها ببعض على امتداد الزمن، سواء أكان هذا التأثير على مستوى المفردات بالإقراض والاقتراض أم على مستوى التركيب وطريقة تقعيدها وتدوينها.