في انتقاله من تقليد الوضوح التعبيري في الشعر الكلاسيكي، استعمل الشعر العربي الحديث بشكل متزايد الغموض الفني بوصفه استراتيجية جمالية وأداة تعبيرية.
أن هذا الاتجاه الذي تجاوز مجرد التعقيد اللغوي، كان استجابة لضرورة التعبير عن التجارب الإنسانية المعاصرة المعقدة، ورؤية عالمية جديدة لم يكن من الممكن تمثيلها ضمن الأطر الصريحة، وأحادية المعنى للشعر التقليدي. يعد الغموض الفني بوابة نحو تعدد المعنى، وعدم اليقين التأويلي، وانفتاح النص الشعري. تعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي-التحليلي لاستكشاف وظائف الغموض الفني في الشعر العربي المعاصر، مع التركيز على تحليل تجلياته في أعمال ثلاثة من رواد الحداثة: نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وتبحث المقالة في كيفية تحقق هذا الغموض من خلال آليات مثل التصوير الفني، والرمزية، وتوظيف الأسطورة.و تظهر النتائج أن الغموض الفني في شعر هؤلاء الرواد، بعيدا عن كونه مجرد ظاهرة ناشئة، قد صار عنصرا بنيويا في رؤيتهم الشعرية والبنية الجمالية لأعمالهم. تشمل وظائفه الأساسية تعميق التجربة الشعرية، وكسر اليقينيات الدلالية، وتفعيل دور المتلقي في عملية إنتاج المعنى. وأخيرا، تزعم هذه الدراسة بأن الغموض الفني، عبر خلقه فضاء للتأمل والتأويل المستمر، قد عزز من تأثير شعر هؤلاء الشعراء وثراء أسلوبهم، وهذا يشهد على تعقيد ونضج الجماليات الحديثة في الشعر العربي، بحيث تصبح كل قراءة تفاعلا فريدا بين الأفق الدلالي للقارئ والقدرات اللامحدودة للنص.