محمود الوراق شاعر عباسي (230هـ)، امتهن -في شبابه- الوراقة والنخاسة، وكان له شعر في الحبِّ والشراب، ثم تزهَّد واتقى، فغلب على شعره الزهد والحكمة والإرشاد وتأثَّرَ بالقرآن والحديث والموروث الديني بلاغةً وفصاحةً وأسلوباً، فاقتبس وضمَّنَ بثلاثة أنواع؛ المباشر، والتحويري، والإشاري، تماهياً مع النص المقتبَس لتأييد وتزيين فكرته الشعرية دلالة ورونقاً، وأثَّرَ في إصلاح المتلقي والمجتمع الذي مُنيَ باللهو والزندقة والمجون، وكان لذلك أثر في المستويين الدلالي والفني. وقد كشف عن قدرته الفنية وسعة ثقافته الإسلامية التي تداخلت مع تجربته الشعرية، فخلق توازناً بين الجانب الروحاني والشعري، إذ كان شعره ذا أبعادٍ روحانية، وأخلاقية، واجتماعية، وقصصية، فضلاً عن ذلك أن مشكلة البحث هي عدم وجود دراسة تبيِّن كمية النسبة بين اقتباسه وتضمينه، وكميتها بين اقتباسه القرآني واقتباسه الحديثي، كما أننا لم نجد توضيحاً كافياً للمستويين الدلالي والفني في شعره، فكان اختيار بحثنا الموسوم بـ"الاقتباس وتوظيف الموروث الديني في شعر الوراقة (230هـ) دراسة تحليلية" تبياناً وحلاً لتلك المشكلة، فتبيَّنَ أن نسبة اقتباسه من القرآن إلى الحديث هي النصف (12–5)، ونفسها إلى التضمين (12– 5)، وتساوت النسبة بين الاقتباس من الحديث والتضمين (5=5) مما دلَّ على تأثره الكبير بآيات الذكر الحكيم، ومع أن الاقتباس والتضمين من الأساليب البديعية، إلا أنه استخدم أساليب أخرى؛ كالتكرار، والتضاد، والمقابلة، والجناس، للتأكيد والتبيين وإضفاء لمسات جميلة وإيقاع موسيقي يجذب نفوس المتلقين.