مِمَّا لا شكَّ فيهِ أنَّ اللغةَ التي هي الوسيلة الوحيدة التي فطرَ اللهُ عليها جميع المخلوقات قصد التواصل مع الجنس الذي تنتمي إليه؛ قد تعدَّدَ استعمالها منذُ الوجود صوتاً أو إشارة أو كتابة، كما قد تعدَّد التفنن فيها بحسب نوع التواصل وصولاً أو إيصالاً. ولا شكَّ في أنَّ الإنسان على الرغم من تعدُّد وسائل التواصل عندهُ، إلا أنَّهُ -في كثيرٍ من الأحيان- يتفننُ في أي وسيلة يستعملها بحسب حاجته، وغرضه، ومشاعره، وأحاسيسه، وعواطفه التي تقفُ وراء تلك الأغراض. ومِمَّا لا شكَّ فيهِ أنَّ من الوسائل التي استخدمها الإنسان في التعبير عن الأغراض وتحقيق التواصل هي النثر والشعر ذلك المنظومة التي يودِعُ الإنسان فيها مقاصده التي تصطبغ بين حين وآخر بالمشاعر، والأحاسيس، والعواطف الإيجابية والسلبية بحسب الدوافع التي تحفزها؛ لذا أصبحتِ البلاغة -التي هي ذروة لغة التواصل- بفنونها وأفنانها خادمة أغراض البشرِ؛ كي يفرِّغ بها البشرُ ما يتردَّدُ في أذهانِهم، وتتضايق به أنفاسهم، ولا سيَّما صنعة البديع التي أصبح محلَّ الخلاف بين العلماء بين كونها وسيلة للحسن وجمال التعبير، وبين كونها وسيلةً للإيصال بِمآل البشر إلى مبتغاها. فهي، على الرغم من كونها تسمَّى بفنون الجمال، فالجمال لا يخرجُ عنْ كونهِ وسيلة أُخرى؛ للتعبير عن الأغراض، واحتضان المشاعر أياً كانتْ إيجابية أم سلبية. فتلك الفنون لا تتشكَّلُ عبثاً من دون جدوى، بلْ يختفي في طيات كُلِّ حركةٍ لها غرضاً أو حاجة أو سِرَّاً يحتاجُ إلى فكِّ شيفراتهِ. فلا أعقدَ مِنَ الإنسان، فهو يُلقي حاجتهُ في لمحة بصرٍ أو لفتةِ نظرٍ. وكيفَ لا يتخذُ منْ صنعة البديعِ بديلاً آخر؛ لتحقيقِ رغباتهِ ونزواتهِ كونها أوسع رحباً لأنفاسِهِ. الكلمات المفتاحية: المحسّنات، البديع، الجماليّة، المقصديّة، التّواصل، الإيصال. المُقدّمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ مُنزِّل القرآنِ بِلُغةِ البيانِ؛ ليكونَ للناسِ هُدى وبرهاناً، والصلاةُ والسلامُ على محمد مبعوث الخير رحمةً للعالمينَ. إنَّ البلاغة التي قد قطعتْ أطواراً منْ حياتها مروراً بحاضنة القرآنِ؛ لتكتملَ جوارحها، وتستقر على مكانتها، وتكشف عن معالمها الزاهية؛ لتصبح -فيما بعد- هي الحاضنة يولَدُ بِمقاييسها البيان، إلاَّ أنَّهُ على الرغم من ذلِك فإنَّ الإشكالية، والغموض، والاستكشاف، والبحث عن أسرارها تبقى ثائرة كونها واسعة سعة البحار، فالذي يمُدُّ البحار أغمضُ من البحار والذي يمُدُّ اللغة أغمضُ من اللغة، فهي التي توجِّهُ الكلام، وتعيِّنُ المقامَ، وتحددُ المقصد، وتثيرُ النفوسَ وتُحقِّقُ مبدأ التداولِ القائمِ على الفهمِ والإفهامِ. إلا أنَّ الذي أصبحَ موضِعاً للكلام فيهِ، والبحثِ والتعمقِ في كينونتِهِ هو القصدية في فنون بلاغية ما زالتْ تصطبغُ بصبغة التحسينِ والتزيين للكلام على اعتبار أنَّ وظيفتها محصورة على الجمال فحسب. هذا ما يتردد في تعاريف العلماء لهذهِ الفنون؛ لذا حاولتُ قدر المُستطاع الاطلاع على هذا الموضوع بحثاً عن آراء العلماء حولهُ وصولاً إلى نتائج تزيلُ شيئاً عمَّا كان سائداً عند بعضهم من اقتصار وتخصيص فنون البديع بوظيفة التحسين. وقد دعتْ طبيعة المادة أنْ توزَّع بين مبحثين اثنين يليهما محوران، حيثُ خصَّصْتُ المبحث الأول بالمقصدية والفنون البلاغية، وخصَّصْتُ المبحث الثاني بالمحسنات البديعية بين مقصدية المتكلم وجمالية النص