يجسّد الحوار القرآني مشاهد يوم القيامة تجسيداً عظيماً؛ لما فيه من مواقف حافلة بالحركات، والمناظرات، وبيان الحقائق، والحوارات المتنوعة، فهو يعرض لنا مشاهد حية بكل حركاتها وسكناتها إلى جانب دلالاتها وإيحاءاتها؛ لينقل لنا الدلالات النفسية وأحوالها المصاحبة للحوار بين الرغبة، والرهبة، والرجاء، والخوف، وكأنك تراها رأي العين ليس بينك وبينها حجاب أو فاصل زمني بعيد. لهذا فقد اختارتِ الدراسة نماذج من آيات الحوار بين الحق تبارك وتعالى، وبين أهل الجنة تارة، وبين أهل النار تارة أُخرى؛ لتجعلها محور عملها، وقد تمَّتْ دراسة تلك الآيات دراسة دلالية تقابلية؛ لبيان ما تحمله كلمات الحق سبحانه وتعالى من دلالات وإيحاءات مؤثرة، إذْ يجتمع الناس يوم القيامة كلٌّ بمشاعره، وأحاسيسه، وانفعالاته، واهتماماته، وما هذه المشاهد المرعبة والحوارات الجياشة إلا للكشف عن الحقائق وبيان أدلتها. ومنِ المؤكد أنَّ من خواص لغة الحوار ودلالاتها وظلالاتها هي تقريب المشاهد غير المحسوسة الغيبية إلى أذهان المخاطبين بأسلوب حسّي؛ لذلك فلا بد من الوقوف على الدلالات الدقيقة للألفاظ المستعملة في الحوار، وعلى الأساليب المستعملة فيه؛ وذلك للوصول إلى دقائق اللمسات البيانية وللكشف عن الإعجاز التعبيري للقرآن الكريم من خلال تلك المشاهد، بالإضافة إلى الوصول إلى مواطن الجمال فيها. هذا ما يثيرُ الإحساس، ويهزّ النفوس، ويملؤها بالإيمان واليقين، وذلك من خلال التركيز على الأنماط الفنية في عرض المشاهد القرآنية، وإشاعة الحياة فيها عن طريق الحوار، وتشخيص المعاني الذهنية، وتحويلها إلى حياة حقيقية؛ لأن الإنسان يصعُب عليه هذا الحوار مع نفسه، ويبعده إلى أبعد حدود، ويحاول أن يتجاهله في كثير من الأحيان، وإنْ كانت تلك الحوارات الأخروية وسيلة؛ ليعتبر بها الإنسان قبل الوقوع، ومواجهة الأحداث الواقعة حينذاك، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.