الرثاءُ فنٌ من الفنون الشعرية الجميلة في الآداب الانسانية، وفي أدبنا العربي الخالد، على امتداد عصورهِ، وهو موضوع ٌرئيسٌ من موضوعات الشعر العربي في عصر ما قبل الاسلام، فقد رثى الشاعر الأحبّة، والخلّان، ووقف عند قبورهم، نادباً، باكياً، متذكراً الأيام الجميلة، والصحبة والاعزّة، فقد امتزجت في هذا الفن روعة الخيال مع الحقيقة المؤلمة، فضلاً عن عمق العاطفة، وحرارة المشاعر، وجمال الصورة الرثائية الصادقة، التي يرسمها الشاعر دونما تأثير خارجي مصطنع فيه، سوى الوفاء للأحبّة الذي عبّر عن صدق داخلي، أو للروابط الإنسانية التي تجمع بينه وبين مرثيه. فالرثاءُ، غرضٌ قديمٌ، من أغراض الشعر العربي، ولا نبالغ إذا قلنا: إنّ الإنسان عرف هذا اللون من الشعر منذ أنْ عرف الموت، فقد اقترن الرثاء بالموت، منذ فجر التاريخ، وأخذت الأمم في البادية والحضر برثاء موتاها، والوقوف على قبورهم وتخليد ذكراهم والتحسر واللوعة على رجالاتهم. وكان ذلك شائعاً في أدب وادي الرافدين، وكذلك في الأدب المصري القديم، الذي قدم لنا بعض القصص الاسطورية، التي انتشرت عند الفراعنة في أسطورة (إزيسس وازريريس وأخيه ست)، فيصور لنا رثاء (أزيسا) في بكائها لزوجها (أوزيريس)، الذي قتله أخوه (ست) طمعاً في زوجته، وتمتد هذه الصورة الرثائية من جيل إلى جيل عند المصريين.