يتناول البحث هذا الدراسة، بوصفها منحى جمالي ينهض على تجاوز الأشكال السردية الكلاسيكية، متكئاً على الصورة والإيقاع والتأمل الداخلي بدلاً من الحبكة والمنطق الزمني التقليدي. تنطلق الدراسة من كون السينما، منذ نشأتها، جمعت بين كونها اختراع تقني واكتشاف فني، مما منحها قابلية التشكّل والانفتاح على مختلف التيارات الفكرية والفنية، وكان الطابع الشعري أحد أبرز السمات التي جذبت انتباه منظّريها الأوائل، لما تنطوي عليه الصورة السينمائية من قدرة على التعبير عن العالم عبر مجازات بصرية حسية تتجاوز ظاهر الواقع إلى جوهره الداخلي. ويكشف البحث عن الكيفية التي استثمرت بها السينما الشعرية إرث السينما الطليعية في عشرينيات القرن الماضي، دون أن تذوب فيه، بل طوّرت لنفسها أسلوب خاص يجمع بين الذاتي والفلسفي والوجودي، حيث تكون الكاميرا أداة تأمل، لا وسيلة ترفيه، واللقطة وحدة شعرية قائمة بذاتها. ويرتكز البحث على تحليل العناصر التي تمنح الفيلم الشعري فرادته، مثل التكوين البصري، وزوايا التصوير، والحركة البطيئة، وغياب البناء السردي الخطي، بالإضافة إلى استثمار الإيقاع الزمني والمونتاج بشكل يوظّف الذاكرة والحلم والتجربة الذاتية. كما يستند إلى أطروحات عدد من أبرز المنظرين والمخرجين الذين ساهموا في ترسيخ هذا الاتجاه، أمثال تاركوفسكي، بازوليني، كوكتو، وآيزنشتاين، الذين رأوا في السينما فن قادر على خلق لغة شعرية موازية للكلمة المكتوبة. وتكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها إلى تأصيل المفهوم داخل حقل النقد السينمائي العربي، وتسليط الضوء على نماذج روائية معاصرة، تسهم في تطوير الفهم الجمالي للسينما بوصفها خطاب بصري يتجاوز التمثيل، ويمتلك قدرة فريدة على استبطان المعنى ومخاطبة الذات الإنسانية