تحدثنا في هذا البحث عن المنازل والمسير عبرها الى الله ، وكيف صورها لنا كل من المتصوف المسلم ابن عربي والمتصوفة المسيحية تيريزا دي خيسوس والذي يندرج ضمن التمازج الحضاري والتأثير والتأثر بين الحضارة الإسلامية ، لا سيما تلك التي نشأت على ارض الاندلس وبين الثقافة الاسبانية التي اخذت من الوجود الإسلامي وعلى مدى ما يقرب من ثمانية قرون تاريخ تفتخر به امام اوربا فلا يمكن لاحد ان ينكر الحضارة المعطاءة الزاهرة التي أقامها المسلمون هناك ونتاجات لا حصر لها لعلماء وادباء اضاءوا بها كل اوربا في العصور الوسطى ومن هؤلاء الذين كان له حضورا ومكانة رائدة المتصوف ابن عربي ( موضوع البحث ) الذي ولد في مرسيا وانتقل الى اشبيلية ومنها عبر الى الشرق ، والذي اثرت كتاباته في ابرز ادباء إيطاليا واوربا بشكل عام الا وهو دانتي اليغيري الذي اخذ من ابن عربي فكرة رائعته الكوميديا الإلهية ، اما عن القديسة الاسبانية تيريزا فليس لدينا ادنى شكل بموهبتها الأدبية وخيالها الواسع فضلا عن ايمانها المطلق لله ولدينها ، لكننا اخذنا عدد من النصوص الواردة في كتاباتها ووجدنا انها كبيرة الشبه بما جاء في مؤلفات ابن عربي ، على الرغم من ان القديسة قد صرحت بأن مقامات القلعة الداخلية صادر من خيالها الخاص حيث ذكرنا انها قالت : " بينما كنت ابتهل الى الرب ان يبثني مناجاته ... وعملي يتمثل في النظر الى روحنا على انها حصن من الماس او من البلور الصافي " ، واذا ابعدنا فرضية ان تكون القديسة قد اطلعت على جزء من تلك المؤلفات فلا يمكن ان تستبعد ان افكارها قد وصلت الى القديسة شفاهيا حيث كانت متداولة في مجتمعها .
ومهما يكن من امر فإن الحب الإلهي عند كل من ابن عربي والقديسة الاسبانية قد وصل الى درجة عالية من الثقافة والوصف بغض النظر عن التشابه والتأثر ، وذلك لما ينطوي على مسيرتهم الرمزية الى الله من جمال ودهشة وخيال فائق ، وهذا ما شجعنا اكثر على ان نبحث في رحلة كل من المتصوفين وان نكشف اسرار عروجهما والوصول الى حد الكمال بقربهما او حتى الاتحاد مع الله عز وجل ، على امل ان نحصل على شرف ايضاح فكرة العلاقة ثم التقارب بين التصوف الإسلامي والتصوف المسيحي فكلاهما نابع من حب إله واحد يجمع كل الأديان ، فضلا عن ذلك فإن دراستنا هذه لها بعدا اخلاقيا لكمال المجتمع والنفس الإنسانية عن طريق التعريف بطرق السالكين نحو الصلاح والتقرب الى الله وقد ابدع ابن عربي والقديسة تيريزا في توصيل تلك الفكرة بإسلوب لا يخلو من المتعة في المتابعة والخيال عبر المنازل السبعة والوصول الى اعلى درجات تهذيب النفس كلما ارتقى الانسان صعودا من منزل الى آخر .