إذا كان إستغلال الانهار الجارية ضمن حدود دولة واحدة والتي تسمى بالانهار الوطنية يعد من الامور الميسورة والواضحة ، فان إستغلال مياه الانهار التي تجري ضمن أقاليم عدد من الدول أو تشكل حدوداً فيما بينها والتي تسمى بالانهار الدولية ، يثير في الغالب صعوبات ومشاكل عدة بين الدول المتشاطئة او المتقاسمة لهذه الانهار ، ويشكل على الدوام بؤرة للخلافات والنزاعات المستمرة فيما بينها ، لاسيما وان الدراسات والبحوث المعنية بشؤون المياه تشير الى ان القرن الحالي سيشهد صراعات وأزمات حادة بين هذه الدول فيما أصبح يعرف بـ (حروب الماء) ، بسبب النقص المحتمل في موارد مياه هذه الانهار والتي أصبحت بمثابة سلعة نادرة وقيمة قد تتجاوز أهميتها الاقتصادية أهمية النفط نفسه ، لاسيما في ظل إرتفاع نسب التعداد السكاني المتعاظم على مستوى العالم وتعاظم معدلات النمو البشري فيه ، الى جانب الأرتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة وبروز ظاهرتي الأحتباس الحراري وتغير المناخ العالميتين على نحو خطير وجدي 0 وقد حذرت الامم المتحدة في أكثر من مناسبة ، من ان التغييرات المناخية قد تثير الصراعات حول الماء ، لاسيما في منطقة الشرق الاوسط التي تضم عددا كبيرا من الانهار الدولية المهمة كدجلة والفرات والنيل والاردن , والتي تعد من بين أكثر المناطق الساخنة بهذه الصراعات وأشدها حساسية تجاه هذا الموضوع على المدى المنظور أو البعيد ، بالنظر الى محدودية مواردها المائية ازاء الاحتياجات المتصاعدة والمتنامية وازديــــــاد الحاجة اليها على الأصعدة كافة 0
وفي هذا السياق ، فأن الجارة إيران قامت في العقود الأخيرة منفردة ودون التشاور مع الحكومة العراقية ، بقطع العديد من مجاري الأنهار الحدودية المشتركة مع العراق ــ بلغت أكثر من أربعين نهراً حدودياً مشتركاً مابين كبير وصغير ــ وتحويلها الى داخل أراضيها أو إقامة مشاريع مائية ضخمة في أحواضها من سدود وخزانات وقنوات وأنفاق للأستفادة منها في الداخل بشكل كامل دون أي إعتبار الى حقوق العراق التأريخية المكتسبة منذ القدم في هذه الأنهار والتأثير البالغ لتلك الأعمال والأنشطة على الحياة الطبيعية والبيئية والأجتماعية فيه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، لاسيما وأن بعض هذه الأنهار يشكل بطبيعته الجغرافية والتكوينية منابع وروافد مهمة لنهري دجلة وشط العرب وللأهوار الجنوبية ، كما أنه يشكل عنصراً مهماً للحياة الطبيعية في المناطق والمدن والقصبات العراقية الحدودية 0 ولاشك ان مثل هذه ألأعمال تشكل بحد ذاتها إنتهاكاً واضحاً من جانب ايران لمبادئ وقواعد استخدام مياه الأنهار الدولية المعترف بها دوليا سواء أكانت اتفاقية ـ لاسيما إتفاقية ألأمم المتحدة لعام 1997 الخاصة بأستغلال الانهار الدولية للاغراض غير الملاحية ـ أم عرفية أم مبادئ عامة إستقرت في محيط العلاقات الدولية بوجه عام وبين الدول المتشاطئة في هذه الأنهار بوجه خاص ، فضلاً عن ان القضاء والفقه الدوليين قد أقرها وأعتمدها في العديد من أحكامه وقراراته وآراءه الفقهية والأستشارية 0