شهدت الدولة العباسية، منذ مطلع القرن الثالث الهجري، تحوّلًا كبيرًا في بنيتها العسكرية والسياسية، تمثّل في تصاعد دور الجند الأتراك ضمن مؤسسات الدولة، ولا سيما بعد تولّي الخليفة المعتصم بالله (218هـ – 227هـ)، الذي كان أول من اعتمد على الأتراك بشكل منظّم وأسّس لهم معسكراتهم الخاصة، لا سيما في مدينة سامراء. وقد تطوّر هذا الدور تدريجيًا ليصبح الجند الأتراك فاعلين رئيسيين في صنع القرار السياسي، بل ومصدرًا مباشرًا للسلطة أحيانًا، مما أفضى إلى تحوّلات جذرية في النظام السياسي العباسي الداخلي.
يهدف هذا البحث إلى دراسة الدور الذي لعبه الجند الأتراك في السياسة الداخلية للدولة العباسية خلال الفترة الممتدة من سنة 218هـ، وهي سنة بداية حكم المعتصم بالله، إلى سنة 656هـ، وهي سنة سقوط بغداد على يد المغول، وهو الحدث الذي أنهى فعليًا الدولة العباسية في بغداد. وقد قُسّم البحث إلى عدة محاور، تناولت أولًا خلفيات استقدام العنصر التركي إلى الجيش العباسي، ثم تطور علاقتهم بالخلافة، وأثرهم في تقوية أو إضعاف الخلفاء، وكذلك دورهم في تعيين وعزل الخلفاء، كما تناول البحث التبعات الإدارية والعسكرية والسياسية المترتبة على تدخلهم في شؤون الدولة.
واعتمدت الدراسة على منهج التحليل التاريخي النقدي من خلال استقراء الروايات التاريخية الواردة في المصادر الأصلية مثل تاريخ الطبري، الكامل في التاريخ لابن الأثير، وغيرها من المصادر والمراجع الحديثة، كما سعت إلى تتبّع العلاقة المعقدة بين الجند الأتراك والخلفاء، وما نتج عنها من اضطرابات داخلية، وانقلابات سياسية، وصراعات طاحنة أثّرت في استقرار الدولة. وتوصل البحث إلى أن الجند الأتراك أسهموا إسهامًا مزدوجًا؛ فمن جهة كانوا قوة عسكرية منظمة وفعّالة ساهمت في ردع الخصوم وحماية الدولة في فترات ضعفها، ومن جهة أخرى أصبحوا، مع مرور الوقت، مركز قوة مستقلًا يتدخل في شؤون الحكم، مما أدى إلى إضعاف سلطة الخليفة، وتكرار حوادث العزل والقتل في صفوف الخلفاء، وتدهور هيبة الخلافة، وصولًا إلى الانقسام السياسي وظهور الدويلات المستقلة.