يتناول هذا البحث إشكالية الطائفية السياسية في لبنان بوصفها أحد أبرز المعوّقات البنيوية أمام إرساء نظام ديمقراطي فاعل، ويسعى عبر منهجية تاريخية - تحليلية إلى تتبُّع مسار تشكُّل هذه الطائفية وتجذُّرها كمكوِّن أساسي في بنية الحكم، منذ مرحلة الاستقلال عام 1943 وحتى عام 2023،مع تحليل التفاعل بين الإرث التاريخي (الاستعمار الفرنسي) والتحديات المعاصرة، اذ يرصد البحث التحولات السياسية والاجتماعية الحاسمة التي أسهمت في ترسيخ الطائفية كمبدأ تنظيمي للمؤسسات الدستورية، بدءًا من صيغة الميثاق الوطني التأسيسية مرورًا باتفاق الطائف (1989) كتسوية حاسمة أعادت صوغ النظام السياسي في أعقاب الحرب الأهلية وصولًا إلى حراك انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 الشعبي ،وقد بينت الدراسة إلى أن الطائفية السياسية في لبنان تجاوزت كونها تسوية تاريخية مؤقتة، لتصير بنية مؤسساتية راسخة تعززت في ظل الانتداب الفرنسي وكرّستها ممارسات النخب السياسية المحلية عبر العقود، كما أظهرت النتائج أن غياب الإرادة السياسية الفعلية لدى هذه النخب حال دون إطلاق أي مشروع جديّ لإلغاء النظام الطائفي، وفي حين مثلت انتفاضة 2019 لحظة فاصلة في تطوّر الوعي السياسي اللبناني الرافض لهذا النظام، فإنها أخفقت في تحقيق تحوُّل بنيوي مستدام، نتيجة لقوة العوامل الطائفية المستمرة ومقاومة القوى السياسية القائمة، وفي ضوء هذه النتائج، توصي الدراسة بضرورة الشروع في عملية إصلاح شاملة، تشمل مراجعة العقد الاجتماعي القائم على أسس المواطنة المدنية الجامعة بديلًا عن المحاصصة الطائفية، وإقرار قانون انتخابي عادل يضمن التمثيل الفعلي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الرسمية وهيئات الرقابة، باعتبار هذه الإجراءات مدخلًا أساسيًّا لبناء دولة القانون والعدالة والمواطنة المدنية في لبنان.