إن أهمية بلاد وادي الرافدين لا تكمن في حدودها الجغرافية أو زمنها التاريخي فحسب، بل في إرثها الحضاري المتصل الذي شكّل أساساً اعتمدت عليه حضارات لاحقة في المشرق القديم، وصولاً إلى العصور الإسلامية، إذ استمر تأثيرها في العمارة والفنون عبر آليات الانتقال الثقافي والتلاقح الحضاري، وبذلك فإن دراسة هذا الإرث تُعد مدخلاً أساسياً لفهم جذور العمارة الإسلامية والسلجوقية على وجه الخصوص، لما تحمله من صدى واضح لابتكارات وادي الرافدين القديمة. وأن كل الحضارات في العالم، تتلاقح في الأفكار، مما يؤدي إلى بروز عدد من التشابهات الناتجة عن التأثيرات الخارجية، وأن التأثر بالطرز العمارية والفنية بين حضارات العالم، تعد واحدة من النتائج المتولدة عن ذلك التلاقح الذي يحدث نتيجة لعوامل متعددة. مثل طرائق التبادل التجاري وأثرها في تشكيل المشهد الحضاري عبر العصور، والحروب والغزوات العسكرية، كذلك الهجرات والاستيطان، فضلا عن استخدام الحرفيون كوسطاء لنقل التأثيرات، والذي كان لهم التأثير في جوانب عمارية مختلفة، منها (المداخل الضخمة، والعقود والاقبية، والأعمدة، والقباب، والمقرنصات، والمحراب، والمنبر، والمئذنة، والإيوان، والزخارف، ومواد البناء).