تُعَدُّ دراسة “موارد ومنهج الإمام محمد علي القلعي في كتابة تهذيب الرياسة وترتيب السياسة” من البحوث التي تُلقي الضوء على أحد أوجه الفكر السياسي والأخلاقي الإسلامي في مرحلة دقيقة من تاريخ الحضارة الإسلامية، حيث تشكلت فيه رؤى العلماء حول علاقة الحاكم بالمحكوم، ومفاهيم القيادة الرشيدة القائمة على العدل والعقل والقيم.الإمام محمد علي القلعي لم يكن مجرد مؤلف، بل كان عالمًا موسوعيًّا جمع بين الفقه والسياسة والتاريخ، وكان كتابه “تهذيب الرياسة وترتيب السياسة” شاهدًا على مدى عمق إدراكه لحاجة الأمة إلى إعادة تنظيم مفهوم السلطة، ليس فقط باعتبارها أداة حكم، بل مسؤولية أخلاقية ودينية تجاه الأمة تستعرض هذه الدراسة الموارد التي اعتمد عليها القلعي، والتي شملت مصادر دينية كأحاديث النبي ، والقرآن الكريم، فضلًا عن كتب التراث السياسي الإسلامي مثل “سِيَر الملوك”،و”الآداب السلطانية”، وأعمال المفكرين الإسلاميين كالفارابي والماوردي وابن المقفع. ويظهر من خلال ذلك سعي القلعي إلى المزج بين الإرث الفقهي والقيم الأخلاقية مع رؤى عملية لإدارة الدولة، مما يعكس روح التجديد والإصلاح.
أما على مستوى المنهج، فقد اعتمد القلعي أسلوبًا تحليليًا وتركيبيًا، جمع فيه بين الاستقراء والتأمل في التجربة الإسلامية من جهة، والمقارنة بين النماذج التاريخية للسلطة من جهة أخرى. كما برزت في كتابه نزعة تعليمية واضحة، موجهة إلى الأمراء والساسة، تدعوهم إلى تهذيب النفس وتصفية النية قبل مباشرة الحكم، وتأكيدًا على أن السياسة لا تنفصل عن الدين، وأن الملك لا يستقيم إلا بالعدل والحكمة.إن هذا الكتاب لا يُعد مرجعًا في السياسة فحسب، بل وثيقة فكرية تُبرز مدى التداخل بين العلوم في المشروع الحضاري الإسلامي، وتقدم قراءة متقدمة لمفهوم السلطة باعتبارها تكليفًا لا تشريفًا، ورسالة لا مجرد وسيلة: