الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد (r)، وعلى آله ومن تبعه وسار على نهجه الى يوم الدين.
توالت على البشرية حقبٌ وأزمان كثيرة، تخللتها أحداث تاريخية مختلفة ومتنوعة؛ ولتسهيل دراستها على المؤرخين والباحثين، وعلى القراء والمهتمين بهذا العلم، وضعت حقب زمنية لفهم ما جرى في الماضي ليتم الربط بين الأحداث المتقاربة أو المتباعدة زمنياً وجغرافيا ([i]).
ان الغرض الذي نرمي اليه إلى عملية تحقيب التاريخ لا يتوقف عند الجانب المنهجي المتعلق بطبيعة الدراسة التاريخ، والذي يخص بمنهج البحث التاريخي وفلسفة التاريخ النقدية، بل يتعداه ليختص أيضاً بالتاريخ الاستشراقي وفلسفة التاريخ التأملية التي افرزت نظريات متعددة تتعلق بطبيعة المسيرة البشري وأنماطها، وكلا الجانبين يسعيان الى تحقيق إدراك عميق لحوادث التاريخ وفهمها في اطار ظروفها الزمانية والمكانية فضلاً عن الحالات، الحضارية والاجتماعية والفكرية، وهو أمر يمنح المؤرخ وفيلسوف التاريخ مقدرة على تفسير احداث الماضي ورصدها رصداً موضوعياً بعيداً عن التعسف والدوافع الذاتية ([ii]).
كما اتجه الإهتمام في العقود الأخيرة إلى التاريخ العربي، واتسعت مجالات البحث فيه، خاصة بعد ظهور دعوات لإعادة كتابته وللتأكيد على النواحي الحضارية منه.
أما عن أهمية الموضوع؛ فقد أثار موضوع التحقيب انتباه مجموعة من المؤرخين والمفكرين، وناقشوا المسألة بعمق، لغرض تأطير أحداث التاريخ وتكوين العقل العربي المستقل، وهذا الموضوع يمثل حقل استكشاف وتفكير معرفي والذي يؤثر ويحدد للدارس طريقة البحث في التاريخ ([iii]).
إن إشكالية التحقيب ليست في تقسيمه الى عصور وأدوار لتقريبه الى الأذهان؛ وإنما الإشكالية تكمن في التأويل والتفسير الغربي لهذه الحقب ومحاولة إسقاطه على تاريخنا العربي والاسلامي ([iv]).
ومن ثم كان التحقيب ومنذ العصور الإسلامية الأولى يستند إما إلى قاعدة زمنية تقسم التاريخ على وفق تعاقب الأزمان فحسب، أو إلى قاعدة غير زمنية سياسية أو ثقافية أو عسكرية أو نحو ذلك؛ تقسيم التاريخ بالنظر الى التطورات التي تؤشرها مثل هذه الابعاد في مسار احداث الماضي البشري ([v]).
البحث في التحقيب التاريخي يعد واحد لا يمكن تجزئته انما هناك ظروف استدعت تقسيمه او بالأحرى تحقيبه؛ الى حقب لتسهيل مهمة دراسته من جانب، ومن جانب آخر نجد ان الظروف أخرى سياسية واجتماعية استدعت الى ذلك التحقيب، إذ ان العصور والأزمان بحد ذاتها لها مميزاتها وسلبياتها جعلت منها ان تكون لها بدايات طيبة تعد مفخرة من مفاخر المسلمين ([vi]).
فنرى وجوب التوقف عند مصطلح التحقيب التاريخي؛ ويجب معرفة دلالاته، وهي محاولة للتحرر من التبعية للعقلية الغربية فيما يخص تاريخنا وتقسيمه الى حقب لغرض إعادة دراسته ولكتابته، على أسس جديدة منها التقدم الحضاري
([i]) ريان، رجائي، مدخل لدراسة التاريخ، (عمان، دار ابن رشد ،1986)، ص183.
([ii]) باقر، طه، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة، (بغداد، مطبعة الحوادث، 1973) ج1، ص72؛ علي، جواد، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، ط2 (بيروت، دار العلم للملايين، (1978م)، ج1، ص16.
([iii]) وولش، و. هـ: مدخل لفلسفة التاريخ، ترجمة احمد حمدي محمود، (القاهرة، مؤسسة سجل العرب، 1962م)، ص68.
([iv]) لوبون، غوستاف، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هاشم صالح، (بيروت، دار الساقي، 1991م)، ص43.
([v]) كولنجوود، ر.ج، المنهج الفلسفي، ترجمة فاطمة إسماعيل (القاهرة، دار المجلس الأعلى للثقافة، 2002م)، ص173.
([vi]) هنري، سيمون بيير، الفكر والتاريخ، تحقيق: نور الدين حاطوم، دمشق، 1954م، ص12.