يمكن أن نقّدم عند استعراض (المسكوت عنه) رؤيتنا بهذا الخصوص، ذلك أن الموضوع أخذ مدى بعيد من الاهتمام، وربما ذلك يعود إلى طبيعة الكلمة التي تحمل معها الغموض والتشويق، ولكن مع ذلك لم نقف عند حديث منهجي بخصوصه كما رأينا، ونقصد في جانبه التاريخي، فغالبية الكتب التي تحمل عنوان (المسكوت عنه) تتجاوز استجلاء معناه بشكل أكاديمي وعلمي رصين، فيغدو توظيف المصطلح بمثابة استخدام ثقافي عام، ولما حاولنا تتبع المفردة في النتاجات التاريخية لم نجد لها تفصيلاً مفاهيمياً كبيراً، وبقيت النظرة له مرتبطه بالمعنى اللغوي الظاهري للكلمة، فهو التاريخ المنسي او المضمر والمخفي والمشفر أو المقموع والمهمش، أي بالمجمل (ما نعرفه ولا نقوله).
وأساس الموضوع كما يتجلى في أن النص الذي بين أيدينا غير متكامل واكماله من مسؤولية القارئ، فالمطلوب العمل على المسكوت عنه للوصول إلى النطق به، وذلك عبر التأويل وفك رموز النص ودلالاته وتأويله.
كما تثار تساؤلات عدة من الضروري الوقوف عندها وتحفيز الذهن لمحاولة الاجابة عنها: فهل هو مسكوت عنه أم اغفل ذكره؟ هل هو نسي ام أنسي؟ وكم يعبر هذا الامر عن فعل وفكر جماعي، ولماذا لا نجعلها في الاطار الفردي الخاص بكل مؤرخ على حدة؟!.
ولماذا لا ننظر بتكامل إلى الموضوع، ونستحضر طبيعة المرحلة التي كتبت بها المؤلفات التاريخية بين ظرف خاص قد ألقى بظلاله على المؤرخ ربما او حالة عامة املتها طبيعة التطور في الكتابة التاريخية؟ فابن خلدون الذي حقق نقلة نوعية في كيفية النظر إلى التاريخ في القرن الثامن الهجري رسخ حقيقة ان هذا العلم فهماً ومنهجاً كان فيه مشكلة وتأخر، وكذلك الأمر مرتبط بمستوى الكتابة التاريخية والوعي به، فمثلاً حين نقول ان المؤرخين اغفلوا حوادث او شخصيات معينة فهو أمر لا يمكن تعميمه ابتداءً او حتى نسيان أن هناك ذكر مستفيض لغيرهم، مثل القول بتجنب ذكر النكبات أو الانحياز على حساب المراة، التي غدت من قضايا من المسكوت عنها لدى بعض الباحثين، في حين ان كتب التراجم مليئة بعشرات التراجم لنساء مؤمنات وعالمات ومجتهدات وعابدات ناهيك عن موضوع الدور السياسي لهن، وبالتالي قد يكون السكوت إقرار وموافقة لواقع توفر المعلومة أو ظروف الكتابة وليس بالضرورة معارضة ورفض، ولكل حالة خصوصيتها دون تعميم مجحف او انكار مبطل.
والذي نراه ان نقطة الانطلاق في معالجة هذا الموضوع تكمن كما أسلفنا في عدم نكرانه ولكن بحدوده المقبولة والعلمية، كذلك من المفيد التحول عن المصادر التقليدية إلى استنطاق غيرها من تراجم ونوازل وغيرها، فضلاً عن تفكيك وترميم الرؤية التاريخية واستخدام ادوات جديدة من علوم اخرى أهمها علم النفس والاجتماع، منطلقين من منظور ان التاريخ يشمل الحياة برمتها، فلا يجب ان نبقيه محبوساً في جانب واحد فحسب.
ومن المهم والضروري كذلك التأويل غير القسري للموضوع، وادراك ان اظهار الجوانب المنسية واجب، ولكن استعادة التاريخ لا تعني استلابه، أي بمعنى آخر اهمية توظيف تلك الادوات الكاشفة دون الوقوع في فخ ادلجة التاريخ وتبرئته مما نسب إليه.
وختاماً وتلخيصاً لكل ما ورد أعلاه، يمكننا إيراد التعريف الآتي والذي نقترحه ونراه ملائماً ليكون معتمداً في دراسة هذا الموضوع:
المسكوت عنه في التاريخ: هي الأحداث والمواقف التي لم يوردها المؤرخ أو يضمنّها في كتاباته، لعدم توافر المعلومات عنها بين يديه، او استجابة لتأثير الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة به، أو عدم ادراك أهميتها بسبب طبيعة مستوى المعرفة التاريخية وقت التدوين، فليس كل مسكوت عنه مشكوك في نواياه أو سلوك متعمد لاهمال واضعاف المكانة والاهمية للأشخاص والأشياء، مثلما ان ليس كل مسكوت عنه هو بريء من القصد، والأمر منوط بالتدقيق والتحليل العلمي الكاشف لجوهره ومضمونه.