تحول المجتمع القبلي في العصر الأموي تدريجياً إلى الاهتمام بالزراعة, والعناية بالأرض والاهتمام بها, وذلك عن طريق استصلاح الأراضي وحفر القنوات والترع, وتوسع بالهيمنة على الملكيات, وربما كان جل الملاكين يقيمون في المدن, ويديرون مزارعهم من ينوب عنهم بالوكالة, ولكن بعضهم بدأ يقيم على الأرض ويتولى زراعتها بنفسه, كما أن بعض القبائل بدأت تستقر في الأرياف, وتتولى الزراعة, وخاصة منذ مطلع القرن الثاني للهجرة.
كانت القبيلة تنفر من الزراعة, فإن النظرة إلى التجارة كانت حسنة وأكثر قبولاً, ولكن التجارة لا يكون لها دور إن لم تنشط على الصعيد الخارجي, ويبدو أن هذا الاتجاه ظهر قبل نهاية العصر الأموي, وأن العباسيين أدركوا ذلك وعملوا على دعمه وتشجيعه حتى أصبح النشاط التجاري من أبرز جوانب الفعاليات الاقتصادية في العصر العباسي, إلا أن اصحاب الملكيات الأراضي الزراعية بقي يعانون من جور ضريبة الخراج ومصادرة أراضيهم بين فترة وأخرى دون وجود تغيرات حقيقة من قبل خلفاء الدولة العباسية تصب في مصلحتهم وتنص على حفاظ ملكياتهم وتخفيف الضريبة عنهم, فبقيت المشاكل الزراعية وما يتبعها من ضرائب محور اهتمام خلفاء بني العباس, وحاولوا جاهدين في معالجة مشاكل الملاكيين ورفع ظلم وتعسف العمال والولاة عنهم, فكانت مشكلة الاراضي الزراعية والضرائب المجحفة بحقهم من أولويات الخليفة في معالجتها, ومعالجة المصاعب والمعوقات التي تواجه الفلاحين.
ويبدو من خلال (كتاب الخراج لأبي يوسف) أن المشكلة هنا هي مشكلة في التطبيق العملي وسوء سلوك العمال والجباة, وقد حاول العباسيون تثبيت الأسس الإسلامية في الضرائب, بيد أن العباسيين لم يخرجوا عن الأسس المستقرة للضرائب في أواخر العصر الأموي, بل أبقوها, وحاولوا مراقبة الجباية, ويمكننا أخذ صورة تقريبية عن واقع الجباة وسلوكهم من خلال ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف, لهذا سوف نتتبع الخطوات التي سار عليها خلفاء بني العباس في تلافي هذه المشكلات, وهل استطاعوا من حد تغير المساحات والضرائب لملكيات الأراضي؟.